Log in
updated 2:15 PM IDT, Sep 23, 2017

الأسرى في الزمن الصعب

مهند عبد الحميد مهند عبد الحميد

إضراب الأسرى أتى ليكشف المستور، أو ليضع النقاط على الحروف، عندما طرح إمكانية انتزاع مطالب في شروط غير مواتية فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا ودوليا. ولان الوضع المأزوم في الحلقات الأربع لا يحتاج إلى اكتشاف من فرط وضوحه، وبخاصة لدى الأسرى الشجعان الذين بادروا إلى الإضراب، فإن فتح هذه المعركة يستهدف التغيير وفي مقدمة ذلك إعادة طرح الاحتلال المزمن الذي سيصبح عمره الزمني نصف قرن في حزيران القادم على بساط البحث والخلاص. رفض التعايش مع الاحتلال ورفض الانتظار والخداع مسؤولية كل الذين يدفعون ويستنزفون ويعانون ويكدحون ويخنقون جراء الاحتلال، ويقع في مقدمة هؤلاء الأسرى الذين يدفعون الثمن مضاعفا. لم يكن من باب الصدفة أن أكثر من نصف الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية هم من فئة العمال، وأن 360 ألف شاب وشابة في الضفة والقطاع أصبحوا بلا عمل، وهذا العدد يتزايد يوما بعد يوم مع قلة فرص الاستيعاب والتشغيل. إضراب الأسرى سلط الأضواء من جديد، على المستوى الضعيف والمحدود للتنظيمات السياسية في إشراك قطاعات واسعة من الناس في معركة دعم الأسرى، التي هي معركة رفض التعايش مع الاحتلال، والتمرد على عملية الخداع السياسي التي ساهمت في تخدير المواطنين وإحباطهم.  الضعف يعود إلى تجديد رهان قيادة حركة فتح على الإتيان بحل سياسي عبر الوساطة الأميركية في ظل إدارة ترامب الجديدة، بمعزل عن المشاركة التنظيمية والشعبية في المعارك السياسية وأهمها قي الوقت الراهن معركة إضراب الأسرى، تلك المعركة التي قدمت فرصة كبيرة لحركة فتح كي تحولها إلى معركة ضد الاحتلال، فأكثرية المضربين ينتمون إلى حركة فتح، فضلاً عن مشاركتها في قيادة الإضراب والمبادرة إليه عبر عضو اللجنة المركزية مروان البرغوثي الذي حصل على أعلى الأصوات في مؤتمر فتح. يمكن القول إن مستوى انخراط حركة فتح في هذه المعركة لا يزال محدودا. وفي الجهة الأخرى لم تكن معركة الأسرى أولوية لحركة حماس، التي اكتفت بمشاركة رمزية في الإضراب، في الوقت الذي أصبح فيه مركز ثقل اهتمام الحركة هو اكتسابها شرعية عربية ودولية تؤهلها للخروج من أزمتها الكبيرة، وتجاوز تهمة "الإرهاب" والخروج من وزر "الشراكة" مع تنظيم الإخوان المسلمين المحظور في أكثر من بلد عربي، وما يتطلبه ذلك من مواءمة برنامجها وسياساتها بعيدا - ما أمكن - من الايديولوجيا والمواقف الراديكالية التي ساهمت في صعود وانتشار حماس. وكأن هدف الحصول على الشرعية والبقاء في موقع السلطة يفوق في أهميته هدف إنهاء التعايش مع الاحتلال والحصار والاستباحة الإسرائيلية الشاملة. إن أداء حركة فتح الضعيف، وأداء حركة حماس الرمزي، في معركة إضراب الأسرى، وضعف التنظيمات الأخرى، أضعف فرصة الانتقال إلى طور جديد، وفي كل الأحوال لم يرق إلى المتطلب المنسوب إلى احتلال متوحش ومستدام. ولم يحدث حتى الآن أي اختراق لسياسة التعايش مع الاحتلال - المسكوت عنها - والمتواطأ عليها. لقد انبثقت من حركة الإضراب منذ اليوم الأول نواة صلبة مكونة من أمهات وأبناء وعائلات وأقارب الأسرى، نواة شديدة الإخلاص والالتزام وهي جزء من كل دعم وتضامن وإسناد للأسرى بل هي طليعة كل عمل. هذه النواة مطالبة باستقطاب المزيد من الأقارب والأصدقاء والصديقات، ووَلَّدت حركة الإضراب مستوى من التضامن الرسمي – تنظيمات ومؤسسات تابعة لها-، تضامن بقي يراوح في حدود عمل الواجب – بيانات مسيرات وزيارات وإلقاء كلمات وإضراب -. واقتصر على الجهاز البيروقراطي للنخبة السياسية. لكن انضمام قواعد التنظيمات والأجسام الحية سيحول الواجب إلى فعل يومي وإلى مهام وإنجاز.  وعلا شأن المبادرات النخبوية المميزة التي لم تحدث هي الأخرى فرقا، ممثلا باستقطاب كتل شعبية لها وزن مؤثر، لكن الاستمرار في تقديم المبادرات سيحدث التراكم الكمي الذي سيؤدي إلى التغيير. البحث عن متغير ضمن الحراك القائم هو السؤال الذي لا يزال يطرحه المضربون الشجعان، وهو يأتي كمحاولة جادة ومخلصة مدعمة ببعد إنساني ضاغط هدفها زحزحة الثابت السياسي نجحت في تحريك المياه الراكدة. البعض ينطلق من وجود ثابت غير قادر على الفعل والعطاء، هذا صحيح ولكنه ليس شيئا دائما بوجود محاولات ومساعٍ. فالمهم والضروري هو محاولة التغيير، فقد تفشل محاولة وأخرى، ولكن عدم التوقف عن المحاولات، والبحث الدائم عن مقومات النجاح هو الذي يجعل للحرية معنى وهو الذي يصنع التغيير في لحظة فارقة. نقطة الضعف الأخطر التي تحتاج إلى تدقيق، تتجلى في الموقف العدمي الإسرائيلي من قضية الأسرى وتحصيل حاصل من قضية التحرر الفلسطيني برمته، فقد دأبت المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية على محاولات شيطنة المقاومين وقتل روح المقاومة والنضال من أجل الحرية، عبر سلسلة من القوانين العنصرية التي تسلب أبسط حقوق الأسرى الإنسانية.  قليلون هم الإسرائيليون الذين يطالبون بالإفراج عن الأسرى والتعامل مع النضال الفلسطيني استنادا للقانون الدولي والاتفاقات والمعاهدات ذات الشأن. خلافا للدول الاستعمارية التي كان يخرج من داخلها مثقفون وفنانون وتيارات وقوى ومجموعات تنحاز للشعب المستعمَر. دولة إسرائيل الكولونيالية تتوحد سلطة ومعارضة ضد حق الشعب الفلسطيني في التحرر، ويتوحدان في وصم النضال الفلسطيني بالإرهاب. الخلاف يكاد يقتصر على الخطر الديمغرافي الفلسطيني، أو أسلوب التعامل مع هذا الخطر. يكاد يقتصر التضامن الاسرائيلي على أشخاص ومجموعات صغيرة على خلفيات انسانية وحقوقية واخلاقية. برز غياب تضامن ودعم اسرائيليين في معركة إضراب الاسرى الحالية كنقطة ضعف خطيرة، سواء لجهة استمرار تعنت حكومة الاحتلال وعدم استجابتها لمطالب الاسرى المشروعة والمتواضعة، أو لجهة إضعاف التضامن والدعم الدوليين. على سبيل المثال، كان المؤيدون الاميركان للشعب الفيتنامي يعاظمون من حركة التضامن العالمي معه، وكذلك الحال كان البيض المؤيدون للنضال الجنوب افريقي يعاظمون من عزلة نظام الابارتهايد، وكذلك فعل الفرنسيون المؤيدون لتحرر الشعب الجزائري. في اسرائيل يخفت صوت المحتجين، وتكاد تنعدم العلاقة مع قوى التحرر الفلسطيني. ومؤخرا تتعرض منظمة "بيتسيلم" ومنظمة "نكسر الصمت" إلى عزل وهجمة حكومية تستهدف شل نشاطهما الناقد للاحتلال. المشكلة لا تقتصر على الاسرائيليين، فالمسؤولية تقع على قوى التحرر الفلسطيني التي لا تبادر إلى نسج علاقات مع قوى وافراد ومجموعات على أسس مناهضة للاحتلال الكولونيالي والاستيطان والعنصرية.           ستة عشر يوماً، مشحونة بإرادة جماعية للمضربين الشجعان، ومشحونة بالعواطف، وبالقيم الإنسانية، وبقيم الحرية، أحدثت صدمة وتفاعلات في كل الحلقات الداخلية والخارجية، وما زالت تحث العقول على تقديم أفكار ومبادرات، وتحث الناس على عمل أي شيء، على تحرير بقعة ضوء برسم المناضلين والمضربين من أجل الحرية.