Log in
updated 12:31 PM IST, Nov 19, 2017

صعود الجدارة الأوروبية وسقوطها

إيفان كراستيف إيفان كراستيف

عندما لا يمكنك أن تفهم لماذا يتصرف الناس بطريقة معينة، فإن أسهل شيء يمكن القيام به هو أن تقنع نفسك بأن الناس لا يعلمون ماذا يفعلون. وهذا ما خلص إليه القادة السياسيون ورجال الأعمال والإعلام الأوروبيون حيال الموجة الشعبوية التي تجتاح القارة العتيقة. فإنهم في صدمة بسبب أن العديد من المواطنين أصبحوا يصوّتون للديماغوجيين غير المسؤولين. ويجدون صعوبة في تفهم مصادر الغضب الواضحة ضد النخب المستحقة للجدارة والتي يُرمز إليها بأفضل الموظفين المدنيين المدربين تدريباً راقياً في بروكسل.
لماذا تستاء الجموع من «الطبقات المجتازة للاختبارات» في الوقت الذي يشير فيه التعقيد الظاهر إلى أن الناس في أمس الحاجة إليهم؟ لماذا يرفض الناس الذين يعملون بجد واجتهاد حتى يتمكن أبناؤهم من التخرج من أفضل جامعات العالم، الوثوق في الناس الذين قد تخرجوا بالفعل من هذه الجامعات نفسها؟ كيف يمكن لأي شخص الاتفاق مع مايكل غوف، السياسي البريطاني المؤيد للخروج البريطاني والذي قال إن الناس قد سئموا تماما من الخبراء؟
يبدو من الواضح أن الجدارة – وهي النظام الذي يحتل فيه أكثر الموهوبين والقادرين وأفضل المتعلمين، وأولئك الذين يحرزون أفضل الدرجات في الاختبارات، أفضل المناصب القيادية – هو أفضل كثيرا من البلوتوقراطية والأرستقراطية، وربما من حكم الأغلبية، أي الديمقراطية.
ولكن النخب الجديرة في أوروبا لا تتعرض للكراهية بسبب غباء الشعبويين المتضخم، أو بسبب الارتباك لدى المواطنين العاديين.
ولن يشعر مايكل يونغ، عالم الاجتماع البريطاني الذي صاغ في منتصف القرن الماضي مصطلح الجدارة، بالمفاجأة بسبب التحول الواضح في مجريات الأحداث. فلقد كان أول من فسّر أنه على الرغم من أن الجدارة قد تبدو جيدة لدى أغلب الناس، فإن المجتمع الجدير سوف يكون كارثة من الكوارث. فهي سوف تخلق مجتمعاً أنانياً من الفائزين المتغطرسين، والخاسرين الغاضبين واليائسين. وانتصار الجدراة، كما تفهمها السيد يونغ، سوف يؤدي إلى فقدان المجتمع السياسي.
والأمر الذي يجعل أصحاب الجدارة لا يطاقون بالنسبة لنقادهم ليس نجاحهم الكبير، ولكن هو إصرارهم على أنهم أحرزوا النجاح بسبب أنهم عملوا بجدية أكبر من الآخرين، وبسبب أنهم أكثر تأهلا من الآخرين، وبسبب أنهم اجتازوا الاختبارات التي فشل في اجتيازها الآخرون.
ومفارقة الأزمة السياسية الحالية في أوروبا تتأصل في حقيقة أن النخبة في بروكسل تتحمّل اللوم لنفس الأسباب التي أشادت بنفسها لأجلها: النزعة الكونية اللاقومية، ومقاومتهم للضغوط العامة، وقدرتهم على التحرك بحرية كبيرة.
في أوروبا، فإن النخبة الجديرة هي نخبة المرتزقة، وليس على العكس من الطريقة التي يتم بها تداول أفضل لاعبي كرة القدم بين كافة أنجح الأندية الأوروبية في جميع أرجاء القارة. ينتقل أفضل المصرفيين الهولنديين إلى لندن، وينتقل أفضل البيروقراطيين الألمان إلى بروكسل. والمؤسسات والمصارف الأوروبية، تماما على غرار أندية كرة القدم، تنفق مبالغ مالية ضخمة في الحصول على أفصل «الموظفين». وفي المعتاد، فإن هذا النظام يعني إحراز النجاح على أرض الملعب أو في غرفة الاجتماعات الراقية في البنوك المركزية.
ولكن ماذا يحدث عندما تبدأ هذه الفرق في الخسارة أو يتباطأ الاقتصاد؟ سرعان ما يبتعد عنهم المعجبون؟ وذلك لأنه لا توجد علاقة حقيقية تربط بين اللاعبين والمعجبين لما وراء الابتهاج بالانتصارات. إنهم ليسوا أبناء الحي الواحد. وليس بينهم أصدقاء مشتركون، أو ذكريات متبادلة. والعديد من اللاعبين ليسوا حتى من نفس بلدان الفرق التي يلعبون لصالحها.
من وجهة نظر النخب الجديرة، فإن نجاحهم خارج حدود بلدانهم دليل على موهبتهم الفذة، ولكن في نظر العديد من الناس، فإن هذه القدرة الفائقة على التحرك هي السبب في عدم الثقة بهم.
يثق الناس بالقادة ليس بسبب كفاءتهم فحسب، وإنما بسبب شجاعتهم والتزامهم، وبسبب أنهم يعتقدون أيضا في أن القادة سوف يوجدون بينهم في أوقات الأزمات، بدلا من انتقالهم بالمروحيات السريعة إلى مخارج الطوارئ.
ومن المفارقات، هي الكفاءات القابلة للتحويل في النخب الحالية، وحقيقة أن أنهم ملائمون بصورة متساوية لإدارة بنك في بلغاريا أو في بنغلاديش أو للتدريس في أثينا أو في طوكيو، مما يجعل الناس يشككون كثيرا فيهم. يخشى الناس أنه في أوقات الكوارث، سوف يختار أصحاب الجدارة المغادرة بدلا من تقاسم تكاليف البقاء.
ومن غير المثير للاستغراب، أنه الولاء – وأعني به الولاء غير المشروط للجماعات العرقية، أو الدينية، أو الاجتماعية – والتي تحتل موقع القلب من صميم الجاذبية الشعبوية الأوروبية الجديدة.
وعلى العكس من قرن مضى من الزمان، فإن الزعماء الشعبويين الحاليين غير مهتمين بتأميم الصناعات. بدلا من ذلك، فإنهم يعدون بتأميم النخب. وهم لا يعدون بإنقاذ الناس ولكن بالبقاء معهم. وهم يعدون بإعادة فرض القيود الوطنية والآيديولوجية التي قضت عليها العولمة. وإيجازا للقول، فإن ما يتعهد به الشعبويون لناخبيهم ليس الكفاءة وإنما الألفة والمودة. وهم يتعهدون بإعادة إرساء الرابطة بين النخب والشعب. والكثيرون في أوروبا اليوم يجدون هذه الوعود ذات جاذبية عالية.
تحدث الفيلسوف الأميركي جون راولز عن العديد من الليبراليين عندما قال بأن وجود الخاسر في مجتمع الجدارة، ليس أكثر إيلاماً من وجود الخاسر في المجتمع الظالم بصورة واضحة. وفي تصوره، فإن إنصاف المعادلة يقضي بالتوفيق بين الناس وبين الفشل. واليوم يبدو كما لو أن ذلك الفيلسوف العظيم كان على خطأ ما في طرحه ذلك.