Log in
updated 2:15 PM IDT, Sep 23, 2017

فلسطين...حكايات الزعتر و البارود

 بلادُ العُربِ أوطاني منَ الشّـامِ لبغدانِ ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ فـلا حـدٌّ يباعدُنا ولا ديـنٌ يفـرّقنا لسان الضَّادِ يجمعُنا بغـسَّانٍ وعـدنانِ بلادُ العُربِ أوطاني من الشّـامِ لبغدانِ ومن نجدٍ إلى يمـنٍ إلى مصـرَ فتطوانِ لنا مدنيّةُ سَـلفَـتْ سنُحييها وإنْ دُثرَتْ ولو في وجهنا وقفتْ دهاةُ الإنسِ و الجانِ بلادُ العُربِ أوطاني من الشّـامِ لبغدانِ ومن نَجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مصـرَ فتطوانِ فهبوا يا بني قومي إلى العـلياءِ بالعلمِ و غنوا يا بني أمّي بلادُ العُربِ أوطاني} هكذا لقاءنا الأول على أرض أسماها الأعداء بأرض الميعاد و أسماها الأجداد بالأرض التي تدر لبناً و عسلاً... هكذا توحدنا نحن شباب الوطن العربي في 2017/7/17 م مرددين هذه الكلمات و أعلامنا ترفرف في الهواء متجاوزة كل الحدود مجتمعة في مكان واحد وعلى أرض واحدة هذه الأرض الذي أجتمع الجميع ليفرقها ما زالت هي التي تجمعنا محققة لي حلماً منذ صغري أحلم به.... أذكر تلك الكلمات جيداً وأنا ذات إثنتي عشرة ربيعاً أنشدها لا أعرف كيف و لماذا المهم كنت أعلم أنني أحب وطني العربي و أرغب أن اسمعها في كل مكان وأتمنى أن تعلوا أصواتها في كل مكان... كان صدى هذه الكلمات عال في قلبي عند سماعها ولأول مرة و أخواني من جميع دول الوطن العربي نرددها سويا في أطهر بقاع الأرض.. بالفعل إنها لحظة تاريخية لحظة فرح أوصلتني حد البكاء.... البكاء من شدة الفرح نحن شباب الأمة العربية مجتمعين في مكان واحد نردد كلمات واحدة و ندافع عن أرض واحدة ( فلسطين) و متفقين على عدو واحد ( إسرائيل)... و لحظة البكاء على أرض تآمر الجميع عليها و ما زالت هي التي تجمعنا. فلسطين... يا أجمل الأرض يا أروع الحكايات يا أسطورة الصمود أحس أحيانا أن الشمس لا تغرب عنك إلا لتشرق عليك ثانية فأنت أجمل الأرض و أنت ملح الزمان أبناءك رصعوا التاريخ بأساطيرهم َ أجمل ما فيهم أن من عاش منهم طويلا ( فيك يكتهل). فلسطين يا واحة الأديان يا ذهبية الأجراس و القبة و أي ساحاتك الرحبة يا قدس الذي حرمنا منك العدو المغتصب أن ندخل رحابك حيث يلتقي فيك المجد و السؤدد و العز و الفخار، يعيث الغاصب فيك فساداً و يموت أبناءك عنك دفاعاً و تقتلنا الأخبار و الرؤى و الأحاديث حسرة نحييًٌٌّكي عن بعد يا أرض السلام محسورين على أمل للقاء قريب هكذا كانت المشاعر عند رؤيتك عم بعد ولم نستطع حتى أن نطبطب على آلامك لتخفيفها ولم نذق فرحة لقاءك.. يا قدس فليفعلوا ما يستطيعوا فأنت الصمود و كلما منعنا إزددنا رغبة في لقاءك مرددين درساً تعلناه منذ صغرنا " كل ممنوع مرغوب" فليحرمونا و ليمنعونا منك ما استطاعوا لتزيد رغبتنا فيك ما إستطعنا وهذا بيان صادر عنا نحن شباب الوفد العربي الأول في فلسطين حول الأحداث الأخيرة في القدس :- { بسم الله الرحمن الرحيم سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ رسالة الشباب العربي للقدس الشريف يجدد الشباب العربي المشارك في المؤتمر الشبابي العربي التطوعي الأول في فلسطين "الوطن العربي، شباب واعد، وهدف واحد" التزامهم القومي، والإنساني، والمبدئي بعروبة القدس الشريف، وبإسلامية الحرم الشريف، التي تؤكدها حقائق التاريخ، وتجدد الإلتزام بها الأسرة الدولية، من خلال القرارات المختلفة لليونسكو في هذا الإطار، وموقفها الراسخ بشجب واستنكار ما يعتري مدينة القدس، من تحديات،واخطار إضافية، هي حلقة تضاف إلى حلقات متتالية، ضمن مخطط صهيوني لتهويد المدينة، وتهجير أهلها. يدرك الشباب العربي أن الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، والعمل الموحد نحو تحريرها، من براثن الإحتلال، وإخضاعها قسرا لسيطرة ما يعرف "بوزير الأديان الإسرائيلي" هو واجب الأمة العربية والإسلامية جمعاء، وأن الشباب الفلسطيني، والمواطنين المقدسيين، والفلسطينيين، الذين يتحدون بصدورهم العارية، وإيمانهم الراسخ بعروبة القدس، إنما هم رأس حربة الدفاع عن شرف الأمة جمعاء، وكرامة العرب والمسلمين في كل أصقاع الأرض. يدرك الشباب العربي جيدا، أن هدف الإحتلال، من حصار الحرم الشريف، ووضع بوابات الكترونية على بواباته المختلفة، يتجاوز هدف تقسيم الأقصى، نحو تدميره، بدعوى إقامة الهيكل المزعوم، التي فشلت كل الحفريات وسلطة الآثار الإسرائيلية في العثور على دليل واحد على وجوده، كما يهدف إلى تهجير الفلسطينيين، وتفريغ القدس من اهلها الحقيقيين. هذا نداء الشباب العربي إلى كل العرب، والمسلمين، وكل أنصار الحرية والعدالة، في كل العالم، بالتحرك الفوري، لوقف العدوان الجديد وغير المسبوق والذي سيترتب تمريره والسكوت عنه ما هو أقسى وأكثر خطورة على المنطقة كلها وعلى الأمن والسلام العالمي . إنا نطالب الشعوب العربية، والإسلامية، وكل الاحرار في العالم، للتحرك القوي الفعال لحماية القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومكان عروجه إلى السماء . كما نطالب الحكومات العربية، والإسلامية، إلى اتخاذ خطوات فاعلة، وحقيقية، تتعدى حدود الشجب والإدانة، وترتقي إلى الفعل، والعمل العربي المشترك. كما ندعو جميع المسلمين في جميع أقطار العالم لزيارة القدس والصلاة في مسرى رسولنا ومكان عروجه الى السماء والرباط فيه ورفض الاحتلال وكل إجراءاته العدوانية العنصرية.

 

في الختام أقول لكل العالم من خلالك عن شبابك بالفعل هم فِتْيَةٌ آمنوا بوطنهم حين تخلت عنهم بقية العرب ... أيقنوا أن لا شئ يوجد أغلى من الوطن رافعين كلمة أجدادهم 'هو في مثلوا الوطن يابا' إنهم فِتْيَةٌ آمنوا بوطنهم و تخلوا عن أحلامهم و آمالهم الصغيرة مقابل الحلم الأكبر والشيء الأجمل (الوطن). مشاهد نشاهدها كل يوم ، كل ساعة ، كل دقيقة ،......بل كل ثانية مليئة بالقوة مفعمة بالروح الطاهرة كلها عز و كرامة . يا فتية الله في فلسطين ، يا جنوده التي نراها ما أجملكم و ما أروعكم وأنتم بالكوفية ذات اللون الأبيض و الأسود.....يا ريتكم تعلمون ما فعلتم بنا ، طمأتمونا ، رفعتم روحنا يا أهل فلسطين بالفعل أنتم أعطيتمونا ما فقدناه في ظل الوضع في الوطن العربي الراهن من هزيمة و ضعف و ذُل بالفعل أنتم فِتْيَةٌ أرادوا ثم سينالوا ما أرادوا..... رتلوا أن الوطن هو أولاً... و ببشرى النصر و الحرية ستعودوا..... فلكم تدنوا نجوم السماء و بكم تعلوا الأوطان.... فمن القلب أقول لكم إنسوا نداء المعتصم فوامعتصماه... لامست أسماعهم لكنها ...لم تلامس نخوة المعتصم و أخيراً يا فلسطين.... يا أجمل الأرض ....يا أيتها المتكبرةُ الثاكل .... يا أم الشهداء لكي من بعد الله أبناؤكِ .... فشكراً لكِ

 

عشتار الفاعور - سفيرة منظمة تطوع في المملكة الاردنية الهاشمية

 

 

أهازيج فلافل - مقال أرشيفي للأسير باسم صالح خندقجي

 

أهازيج فلافل - باسم صالح خندقجي
لو أن الأسير الفلسطيني يروي للعالم قصة تجهيز الفلافل الأسطورية في المعتقل لتحفظ العالم بشدة على هذه الرواية لما تفتقد إليه من موضوعيه ...
إذ أن هذا الفلافل الدائري الشكل والبني اللون والشهي المذاق والمكون من حبوب الحمص يرهق الأسير كثيراً في بروتوكولات تجهيزه وقليه ...

فالسيد فلافل وجبة تعود إعدادها يومياً أو أسبوعيا أو حتى شهرياً إلى قدرة وعزم الأسرى الذين سيتناولون هذه الوجبة .. بحيث أن طحن آلاف حبات الحمص بعد يوم من نقعها في الماء يحتاج إلى أيادي قوية وصبورة قادرة على إزالة القشور عن الحبوب ثم خوض حرب طاحنة ضد الحمص ... وغالباً ما تكون أداة الطحن عبوة بلاستيكية مليئة بالماء ومغلقة بإحكام .. على أن يضرب الحمص ضرباً مبرحاً براس العبوة.. 

وتستمر العمليات والمعارك الطاحنة التي ترتكز على مبدأ الكر والفر لمدة ساعة وأحيانا إلى ساعتين ... انتهى الطحن ...

وبدأت جولة التجهيزات والوصفات الإضافية والآن أصبح الفلافل جاهزاً من اجل بلوغ المرحلة النهائية إلا وهي عملية القلي .. 

ولكن ما قبل هذه المرحلة الأخيرة يطلب الأسير الطباخ ومساعدوه من المقلاة هدنة لا تتجاوز نصف ساعة يأخذون من خلالها قسطاً من الراحة والنكات لدرجة انهم يفكرون بالقيام بهذه التجربة الفلافلية في الخارج عندما ينتزعون حريتهم .... في حال لم يصدقهم احد .

هنا فقط يستنتج الأسير استنتاجاً يقوده إلى الضحك فعملية إعداد وتجهيز الفلافل التي استمرت لمدة يوم من النقع ونصف يوم آخر من الطحن بالإضافة إلى الإرهاق البدني لا تأخذ من وقته في مكانه الطبيعي في الخارج سوى دقائق ... في نفس الوقت مدة اليوم ونصف اليوم من نقع وطحن وتجهيز وقلي ذهبت كلها إدراج شطيرة واحدة التهمت في دقائق ... ولكن طقوس وأهازيج الفلافل في المعتقل غريبة ونادرة لدرجة أنها عندما ستصبح ذكريات فإنها ستكون ذكريات جميلة ورائعة بالرغم مما كان يحيط بها من أسوار شائكة وظلام ....

 

الحكم: ثلاث مؤبدات

سجن ريمون

 

قيادي في حزب الشعب الفلسطيني

صعود الجدارة الأوروبية وسقوطها

عندما لا يمكنك أن تفهم لماذا يتصرف الناس بطريقة معينة، فإن أسهل شيء يمكن القيام به هو أن تقنع نفسك بأن الناس لا يعلمون ماذا يفعلون. وهذا ما خلص إليه القادة السياسيون ورجال الأعمال والإعلام الأوروبيون حيال الموجة الشعبوية التي تجتاح القارة العتيقة. فإنهم في صدمة بسبب أن العديد من المواطنين أصبحوا يصوّتون للديماغوجيين غير المسؤولين. ويجدون صعوبة في تفهم مصادر الغضب الواضحة ضد النخب المستحقة للجدارة والتي يُرمز إليها بأفضل الموظفين المدنيين المدربين تدريباً راقياً في بروكسل.
لماذا تستاء الجموع من «الطبقات المجتازة للاختبارات» في الوقت الذي يشير فيه التعقيد الظاهر إلى أن الناس في أمس الحاجة إليهم؟ لماذا يرفض الناس الذين يعملون بجد واجتهاد حتى يتمكن أبناؤهم من التخرج من أفضل جامعات العالم، الوثوق في الناس الذين قد تخرجوا بالفعل من هذه الجامعات نفسها؟ كيف يمكن لأي شخص الاتفاق مع مايكل غوف، السياسي البريطاني المؤيد للخروج البريطاني والذي قال إن الناس قد سئموا تماما من الخبراء؟
يبدو من الواضح أن الجدارة – وهي النظام الذي يحتل فيه أكثر الموهوبين والقادرين وأفضل المتعلمين، وأولئك الذين يحرزون أفضل الدرجات في الاختبارات، أفضل المناصب القيادية – هو أفضل كثيرا من البلوتوقراطية والأرستقراطية، وربما من حكم الأغلبية، أي الديمقراطية.
ولكن النخب الجديرة في أوروبا لا تتعرض للكراهية بسبب غباء الشعبويين المتضخم، أو بسبب الارتباك لدى المواطنين العاديين.
ولن يشعر مايكل يونغ، عالم الاجتماع البريطاني الذي صاغ في منتصف القرن الماضي مصطلح الجدارة، بالمفاجأة بسبب التحول الواضح في مجريات الأحداث. فلقد كان أول من فسّر أنه على الرغم من أن الجدارة قد تبدو جيدة لدى أغلب الناس، فإن المجتمع الجدير سوف يكون كارثة من الكوارث. فهي سوف تخلق مجتمعاً أنانياً من الفائزين المتغطرسين، والخاسرين الغاضبين واليائسين. وانتصار الجدراة، كما تفهمها السيد يونغ، سوف يؤدي إلى فقدان المجتمع السياسي.
والأمر الذي يجعل أصحاب الجدارة لا يطاقون بالنسبة لنقادهم ليس نجاحهم الكبير، ولكن هو إصرارهم على أنهم أحرزوا النجاح بسبب أنهم عملوا بجدية أكبر من الآخرين، وبسبب أنهم أكثر تأهلا من الآخرين، وبسبب أنهم اجتازوا الاختبارات التي فشل في اجتيازها الآخرون.
ومفارقة الأزمة السياسية الحالية في أوروبا تتأصل في حقيقة أن النخبة في بروكسل تتحمّل اللوم لنفس الأسباب التي أشادت بنفسها لأجلها: النزعة الكونية اللاقومية، ومقاومتهم للضغوط العامة، وقدرتهم على التحرك بحرية كبيرة.
في أوروبا، فإن النخبة الجديرة هي نخبة المرتزقة، وليس على العكس من الطريقة التي يتم بها تداول أفضل لاعبي كرة القدم بين كافة أنجح الأندية الأوروبية في جميع أرجاء القارة. ينتقل أفضل المصرفيين الهولنديين إلى لندن، وينتقل أفضل البيروقراطيين الألمان إلى بروكسل. والمؤسسات والمصارف الأوروبية، تماما على غرار أندية كرة القدم، تنفق مبالغ مالية ضخمة في الحصول على أفصل «الموظفين». وفي المعتاد، فإن هذا النظام يعني إحراز النجاح على أرض الملعب أو في غرفة الاجتماعات الراقية في البنوك المركزية.
ولكن ماذا يحدث عندما تبدأ هذه الفرق في الخسارة أو يتباطأ الاقتصاد؟ سرعان ما يبتعد عنهم المعجبون؟ وذلك لأنه لا توجد علاقة حقيقية تربط بين اللاعبين والمعجبين لما وراء الابتهاج بالانتصارات. إنهم ليسوا أبناء الحي الواحد. وليس بينهم أصدقاء مشتركون، أو ذكريات متبادلة. والعديد من اللاعبين ليسوا حتى من نفس بلدان الفرق التي يلعبون لصالحها.
من وجهة نظر النخب الجديرة، فإن نجاحهم خارج حدود بلدانهم دليل على موهبتهم الفذة، ولكن في نظر العديد من الناس، فإن هذه القدرة الفائقة على التحرك هي السبب في عدم الثقة بهم.
يثق الناس بالقادة ليس بسبب كفاءتهم فحسب، وإنما بسبب شجاعتهم والتزامهم، وبسبب أنهم يعتقدون أيضا في أن القادة سوف يوجدون بينهم في أوقات الأزمات، بدلا من انتقالهم بالمروحيات السريعة إلى مخارج الطوارئ.
ومن المفارقات، هي الكفاءات القابلة للتحويل في النخب الحالية، وحقيقة أن أنهم ملائمون بصورة متساوية لإدارة بنك في بلغاريا أو في بنغلاديش أو للتدريس في أثينا أو في طوكيو، مما يجعل الناس يشككون كثيرا فيهم. يخشى الناس أنه في أوقات الكوارث، سوف يختار أصحاب الجدارة المغادرة بدلا من تقاسم تكاليف البقاء.
ومن غير المثير للاستغراب، أنه الولاء – وأعني به الولاء غير المشروط للجماعات العرقية، أو الدينية، أو الاجتماعية – والتي تحتل موقع القلب من صميم الجاذبية الشعبوية الأوروبية الجديدة.
وعلى العكس من قرن مضى من الزمان، فإن الزعماء الشعبويين الحاليين غير مهتمين بتأميم الصناعات. بدلا من ذلك، فإنهم يعدون بتأميم النخب. وهم لا يعدون بإنقاذ الناس ولكن بالبقاء معهم. وهم يعدون بإعادة فرض القيود الوطنية والآيديولوجية التي قضت عليها العولمة. وإيجازا للقول، فإن ما يتعهد به الشعبويون لناخبيهم ليس الكفاءة وإنما الألفة والمودة. وهم يتعهدون بإعادة إرساء الرابطة بين النخب والشعب. والكثيرون في أوروبا اليوم يجدون هذه الوعود ذات جاذبية عالية.
تحدث الفيلسوف الأميركي جون راولز عن العديد من الليبراليين عندما قال بأن وجود الخاسر في مجتمع الجدارة، ليس أكثر إيلاماً من وجود الخاسر في المجتمع الظالم بصورة واضحة. وفي تصوره، فإن إنصاف المعادلة يقضي بالتوفيق بين الناس وبين الفشل. واليوم يبدو كما لو أن ذلك الفيلسوف العظيم كان على خطأ ما في طرحه ذلك.

الأسرى في الزمن الصعب

إضراب الأسرى أتى ليكشف المستور، أو ليضع النقاط على الحروف، عندما طرح إمكانية انتزاع مطالب في شروط غير مواتية فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا ودوليا. ولان الوضع المأزوم في الحلقات الأربع لا يحتاج إلى اكتشاف من فرط وضوحه، وبخاصة لدى الأسرى الشجعان الذين بادروا إلى الإضراب، فإن فتح هذه المعركة يستهدف التغيير وفي مقدمة ذلك إعادة طرح الاحتلال المزمن الذي سيصبح عمره الزمني نصف قرن في حزيران القادم على بساط البحث والخلاص. رفض التعايش مع الاحتلال ورفض الانتظار والخداع مسؤولية كل الذين يدفعون ويستنزفون ويعانون ويكدحون ويخنقون جراء الاحتلال، ويقع في مقدمة هؤلاء الأسرى الذين يدفعون الثمن مضاعفا. لم يكن من باب الصدفة أن أكثر من نصف الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية هم من فئة العمال، وأن 360 ألف شاب وشابة في الضفة والقطاع أصبحوا بلا عمل، وهذا العدد يتزايد يوما بعد يوم مع قلة فرص الاستيعاب والتشغيل. إضراب الأسرى سلط الأضواء من جديد، على المستوى الضعيف والمحدود للتنظيمات السياسية في إشراك قطاعات واسعة من الناس في معركة دعم الأسرى، التي هي معركة رفض التعايش مع الاحتلال، والتمرد على عملية الخداع السياسي التي ساهمت في تخدير المواطنين وإحباطهم.  الضعف يعود إلى تجديد رهان قيادة حركة فتح على الإتيان بحل سياسي عبر الوساطة الأميركية في ظل إدارة ترامب الجديدة، بمعزل عن المشاركة التنظيمية والشعبية في المعارك السياسية وأهمها قي الوقت الراهن معركة إضراب الأسرى، تلك المعركة التي قدمت فرصة كبيرة لحركة فتح كي تحولها إلى معركة ضد الاحتلال، فأكثرية المضربين ينتمون إلى حركة فتح، فضلاً عن مشاركتها في قيادة الإضراب والمبادرة إليه عبر عضو اللجنة المركزية مروان البرغوثي الذي حصل على أعلى الأصوات في مؤتمر فتح. يمكن القول إن مستوى انخراط حركة فتح في هذه المعركة لا يزال محدودا. وفي الجهة الأخرى لم تكن معركة الأسرى أولوية لحركة حماس، التي اكتفت بمشاركة رمزية في الإضراب، في الوقت الذي أصبح فيه مركز ثقل اهتمام الحركة هو اكتسابها شرعية عربية ودولية تؤهلها للخروج من أزمتها الكبيرة، وتجاوز تهمة "الإرهاب" والخروج من وزر "الشراكة" مع تنظيم الإخوان المسلمين المحظور في أكثر من بلد عربي، وما يتطلبه ذلك من مواءمة برنامجها وسياساتها بعيدا - ما أمكن - من الايديولوجيا والمواقف الراديكالية التي ساهمت في صعود وانتشار حماس. وكأن هدف الحصول على الشرعية والبقاء في موقع السلطة يفوق في أهميته هدف إنهاء التعايش مع الاحتلال والحصار والاستباحة الإسرائيلية الشاملة. إن أداء حركة فتح الضعيف، وأداء حركة حماس الرمزي، في معركة إضراب الأسرى، وضعف التنظيمات الأخرى، أضعف فرصة الانتقال إلى طور جديد، وفي كل الأحوال لم يرق إلى المتطلب المنسوب إلى احتلال متوحش ومستدام. ولم يحدث حتى الآن أي اختراق لسياسة التعايش مع الاحتلال - المسكوت عنها - والمتواطأ عليها. لقد انبثقت من حركة الإضراب منذ اليوم الأول نواة صلبة مكونة من أمهات وأبناء وعائلات وأقارب الأسرى، نواة شديدة الإخلاص والالتزام وهي جزء من كل دعم وتضامن وإسناد للأسرى بل هي طليعة كل عمل. هذه النواة مطالبة باستقطاب المزيد من الأقارب والأصدقاء والصديقات، ووَلَّدت حركة الإضراب مستوى من التضامن الرسمي – تنظيمات ومؤسسات تابعة لها-، تضامن بقي يراوح في حدود عمل الواجب – بيانات مسيرات وزيارات وإلقاء كلمات وإضراب -. واقتصر على الجهاز البيروقراطي للنخبة السياسية. لكن انضمام قواعد التنظيمات والأجسام الحية سيحول الواجب إلى فعل يومي وإلى مهام وإنجاز.  وعلا شأن المبادرات النخبوية المميزة التي لم تحدث هي الأخرى فرقا، ممثلا باستقطاب كتل شعبية لها وزن مؤثر، لكن الاستمرار في تقديم المبادرات سيحدث التراكم الكمي الذي سيؤدي إلى التغيير. البحث عن متغير ضمن الحراك القائم هو السؤال الذي لا يزال يطرحه المضربون الشجعان، وهو يأتي كمحاولة جادة ومخلصة مدعمة ببعد إنساني ضاغط هدفها زحزحة الثابت السياسي نجحت في تحريك المياه الراكدة. البعض ينطلق من وجود ثابت غير قادر على الفعل والعطاء، هذا صحيح ولكنه ليس شيئا دائما بوجود محاولات ومساعٍ. فالمهم والضروري هو محاولة التغيير، فقد تفشل محاولة وأخرى، ولكن عدم التوقف عن المحاولات، والبحث الدائم عن مقومات النجاح هو الذي يجعل للحرية معنى وهو الذي يصنع التغيير في لحظة فارقة. نقطة الضعف الأخطر التي تحتاج إلى تدقيق، تتجلى في الموقف العدمي الإسرائيلي من قضية الأسرى وتحصيل حاصل من قضية التحرر الفلسطيني برمته، فقد دأبت المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية على محاولات شيطنة المقاومين وقتل روح المقاومة والنضال من أجل الحرية، عبر سلسلة من القوانين العنصرية التي تسلب أبسط حقوق الأسرى الإنسانية.  قليلون هم الإسرائيليون الذين يطالبون بالإفراج عن الأسرى والتعامل مع النضال الفلسطيني استنادا للقانون الدولي والاتفاقات والمعاهدات ذات الشأن. خلافا للدول الاستعمارية التي كان يخرج من داخلها مثقفون وفنانون وتيارات وقوى ومجموعات تنحاز للشعب المستعمَر. دولة إسرائيل الكولونيالية تتوحد سلطة ومعارضة ضد حق الشعب الفلسطيني في التحرر، ويتوحدان في وصم النضال الفلسطيني بالإرهاب. الخلاف يكاد يقتصر على الخطر الديمغرافي الفلسطيني، أو أسلوب التعامل مع هذا الخطر. يكاد يقتصر التضامن الاسرائيلي على أشخاص ومجموعات صغيرة على خلفيات انسانية وحقوقية واخلاقية. برز غياب تضامن ودعم اسرائيليين في معركة إضراب الاسرى الحالية كنقطة ضعف خطيرة، سواء لجهة استمرار تعنت حكومة الاحتلال وعدم استجابتها لمطالب الاسرى المشروعة والمتواضعة، أو لجهة إضعاف التضامن والدعم الدوليين. على سبيل المثال، كان المؤيدون الاميركان للشعب الفيتنامي يعاظمون من حركة التضامن العالمي معه، وكذلك الحال كان البيض المؤيدون للنضال الجنوب افريقي يعاظمون من عزلة نظام الابارتهايد، وكذلك فعل الفرنسيون المؤيدون لتحرر الشعب الجزائري. في اسرائيل يخفت صوت المحتجين، وتكاد تنعدم العلاقة مع قوى التحرر الفلسطيني. ومؤخرا تتعرض منظمة "بيتسيلم" ومنظمة "نكسر الصمت" إلى عزل وهجمة حكومية تستهدف شل نشاطهما الناقد للاحتلال. المشكلة لا تقتصر على الاسرائيليين، فالمسؤولية تقع على قوى التحرر الفلسطيني التي لا تبادر إلى نسج علاقات مع قوى وافراد ومجموعات على أسس مناهضة للاحتلال الكولونيالي والاستيطان والعنصرية.           ستة عشر يوماً، مشحونة بإرادة جماعية للمضربين الشجعان، ومشحونة بالعواطف، وبالقيم الإنسانية، وبقيم الحرية، أحدثت صدمة وتفاعلات في كل الحلقات الداخلية والخارجية، وما زالت تحث العقول على تقديم أفكار ومبادرات، وتحث الناس على عمل أي شيء، على تحرير بقعة ضوء برسم المناضلين والمضربين من أجل الحرية. 

غداً: فلسطين على الموعد

كل المؤشرات تقول إن هذا الصيف سيكون ساخنا، بل وحارا، فيما يخص الملف الفلسطيني/الإسرائيلي، فما أن بدأ فصل الربيع، حتى كانت النخبة الأثيرة لدى قلوب وعقول الفلسطينيين جميعا - نخبة الأسرى والمعتقلين - تعلن الإضراب المفتوح عن الطعام، والذي هو أمضى وآخر سلاح يمتلكه المعتقل في مواجهة سجّانه، لتعيد الاعتبار بذلك إلى المواجهة المباشرة والاشتباك الساخن مع الاحتلال، بعد بضع سنوات من "الهدوء" على جبهة مقاومة الاحتلال، لم تنجح هبة القدس أو انتفاضة السكاكين الشبابية قبل عام ونصف العام في فتحها على مصراعيها، لأسباب عديدة، ثم ما أن جلس الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المقعد الرئاسي في البيت الأبيض، حتى بدأ يراجع حساباته تجاه الملف الفلسطيني/الإسرائيلي، وبعد أن منّى النفس اليمين الإسرائيلي المتطرف بأن يطوي الرئيس الأميركي الخامس والأربعون صفحة فلسطين من أجندته السياسية، ها هي فلسطين تتمنع على الطي أو النسيان، وهي التي تفرض نفسها على رئيس أقوى وأهم دولة في العالم. ورغم الانقسام المقيت، ورغم أن حركة حماس ما زالت ومنذ عشر سنوات مضت، لا تتحلى بالمسؤولية الوطنية الكافية لتجعلها تقدم بالتي هي أحسن على إنهاء الانقسام وتوحيد جهود وكفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، إلا أن الشعب الفلسطيني الخبير في الكفاح الوطني وفي مقارعة أسوأ احتلال على وجه الأرض، يمتلك في جعبته كل أشكال الإبداع في مواجهة الاحتلال، ورغم أن إنهاء الانقسام مهمة وطنية، نظراً إلى أن أصابع إسرائيل تلعب منذ البداية بهذا الملف ولا تريد لنا أن ننهيه، فإن شعبنا سيعرف حين يشتد عليه الأمر، كيف يجد الحل الإبداعي لإغلاق هذا الملف، وجمع الحشود مجدداً على طريق كنس الاحتلال. رغم الانقسام، نقول، إن الشعب الفلسطيني توحد ميدانيا وراء إضراب الكرامة، واصطف كرجل واحد وراء قيادته الأسيرة، معلنا أن الشعب كله تواق للانعتاق من أسر الاحتلال الإسرائيلي الذي يكبل الجميع، وقد جعل من يوم غد - الأربعاء، يوما للنفير الوطني، حيث من المتوقع أن تخرج فلسطين، كلها على بكرة أبيها، تهتف ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد السجّان الإسرائيلي. وبعد نحو أسبوعين على بدء الإضراب الوطني، ها هو السجان يبدأ "مفاوضاته" التي لا بد أن تنتهي بهزيمته وإقراره بمطالب المعتقلين، فمواجهة المعتقل الإداري مع السجّان الإسرائيلي، قد سجّلت انتصارات عديدة خلال السنوات الماضية، رغم أن عددا من المعارك جرى بشكل فردي، فما بالنا اليوم ونحن إزاء معركة جماعية يخوضها أكثر من ربع المعتقلين الستة آلاف ونصف الألف، والذين يتقدمهم القائد الوطني مروان البرغوثي يرافقه القائد الوطني أحمد سعدات. قلما اجتمعت فلسطين وشعبها في الداخل والخارج، في يوم كما سيحدث غدا، والمؤشرات تقول، إنه خلال الأسبوعين الماضيين، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حراكا فلسطينيا وعربيا وصلت أصداؤه للنخب الرسمية ولعدد من الأوساط العالمية، وما زالت المعركة في بدايتها، لذا فان إسرائيل تدرك أن مواصلة هذه المعركة قد تضعها، رغم الظروف الإقليمية، في موقع صعب، أو على الأقل مختلف عما اعتادت عليه خلال السنوات القليلة الماضية. ومن الواضح أن تحديد يوم الثالث من أيار يوماً للنفير الوطني نصرة وتضامنا، بل وانخراطا في معركة "المي والملح"، معركة الأمعاء الخاوية، من قبل كل الشعب الفلسطيني، كان بهدف التوافق مع اليوم الذي يلتقي فيه الرئيس محمود عباس مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن للبحث في كل تفاصيل وبنود الملف الفلسطيني/الإسرائيلي. صحيح أن الرئيس عباس سيكون آخر قادة المنطقة الذين التقاهم ترامب، بعد بنيامين نتنياهو، الملك عبد الله الثاني، الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان وحتى حيدر العبادي، لكن اللقاء يعتبر مهما جدا، من هذه الزاوية لسببين على الأقل، أولهما: أنه يأتي قبل زيارة معلنة للرئيس الأميركي للمنطقة، من المتوقع أن يعلن خلالها عن خطته لجمع حلفائه في المنطقة في مواجهة معاركه الإقليمية التي من المتوقع أن يشنّها على أكثر من طرف وفي أكثر من اتجاه، وثانيهما، أن ختام اللقاءات مسك، فإضافة إلى أن اللقاء يضع خاتمة لما قيل إن الرئيس الأميركي سيتّبع - على عكس خلفه - سياسة التجاهل والإهمال للطرف الفلسطيني، ما يعني طي صفحته وتولية شؤون الشعب الفلسطيني للأطراف الإقليمية، فإن اللقاء جاء بعد القمة العربية في الأردن، وبعد أن وضع الملك الأردني ترامب في صورة ما يمكن للعرب أن يقدموه مقابل اتفاق سلام فلسطيني/إسرائيلي. الرئيس الفلسطيني، من المتوقع أن يقدم أفكارا بنّاءة وإيجابية للرئيس الأميركي، فيما يخص الحل السياسي، الذي أعلن ترامب أنه يعتقد بإمكانية التوصل إليه في ولايته، وعلى عكس نتنياهو الذي كان سلبيا، سيحاول الرئيس الفلسطيني مستذكرا خبرته في أوسلو قبل ربع قرن، أن يجد في ترامب شريكا جديداً للسلام، لم يجده في الجانب الإسرائيلي. سيحاول عباس أن يقنع ترامب بأن حل الدولتين هو أفضل حل ممكن للجانبين، مع مرونة في تفاصيل هذا الحل تأخذ بعين الاعتبار مخاوف وتطلعات الجانبين، وأن الحل لابد أن يكون مقبولاً على الطرفين، لكن مع تدخل دولي وإقليمي إيجابي يضع حداً لعدم استعداد أحد الطرفين للتوصل لحل منطقي ومقبول، بل وحتى متوافق مع ما سبق لهما وأن اتفقا عليه، سيقدم الرئيس عباس - بتقديرنا - كل مرونة سياسية ممكنة، تقنع الرئيس ترامب بجدية الجانب الفلسطيني في التوصل للحل الوسط التاريخي، يتوافق مع مصلحة إسرائيل، ولكن ليس مع مصلحة اليمين المتطرف فيها، ومن ضمن ذلك إضفاء أجواء الثقة بإطلاق سراح المعتقلين، ثم يعود ليظهر حصاد اللقاء عبر زيارة ترامب للمنطقة بعد أسابيع قادمة.

مقالة أرشيفية للأسير باسم صالح خندقجي المحكوم مدى الحياة - هكذا تحتضر الانسانية

هكذا تحتضر الانسانية الاسير- باسم الخندقجي

ليكن 17/4 2010 يوم التضامن الدولي مع الاسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال. أقدمهم لا يزال هناك منذ ربع قرن وأحدثهم التحق بهم منذ لحظات فقط.. أسير قديم وآخر جديد ولكن جيل على جيلين على ما يقارب الثلاثة أجيال أمر صعب.. صعب جداً لدرجة أن هناك إنسانية ما أصابها الخرف لمجرد خجلها من أنين إنسان أسير مضى على وجوده في البعيد سنوات طوال ... هو الأسير الفلسطيني القديم الذي يقضي في سجنه اكثر مما قضى خارجه حيث الحرية.. هو الذي تأتيه فجأة تلك الغصة الحارقة عندما يلتقي أسيرا جديدا يكشف له عن دون قصد أن عمره من عمر سنوات حبسه التي لا يزال يقضي بها إلى أن يقضي عليها.. هنا فقط بالإمكان القول: إذا كان هناك من أمل فهو موجود فقط داخل قلب ذلك الأسير الذي لا يزال ينتظر.. وإذا كان هناك من تحد فهو ذلك التحدي الذي يومض ليل نهار بقوة وصبر داخل عيني ذلك القديم.. هو شيخ الزمن.. لا يملك سوى ذاكرة الأيام ما قبل اعتقاله.. أما بعد اعتقاله فهذا أمر من غير الممكن استيعابه.. فالإنسان لا يمكنه الاستجابة لأشياء ولوقائع لم يتفاعل معها ولم يعش في داخلها.. ومن الصعب على الأسير الفلسطيني القديم التعامل مع أحداث ما بعد اعتقاله على أنها أمور وأشياء طبيعية إلا في حالة تدربه على رسم التناسب والتلاؤم الجيد مع وقائع ما بعده. اؤلئك القدماء الذين يقبعون من قدر في غياهب الظلم لا يمكنهم أن يكونوا كالشموع التي لا تنطفئ. إلا أن الشموع مع مرور زمن لاإنساني تخبو بحسرة وحزن.. هم نور لا يتبدد ولا يخبو.. نور يشع بقوة وإصرار داخل واقع مظلم.. فالأسير الجديد عندما يراهم ويتفاعل معهم يصيبه للوهلة الأولى إحباط سوداوي ولكنه يكتشف مع مرور بعض لحظات فقط من حديثه مع احدهم انه يحسدهم على ما يحتفظون به من صفات ومعان استطاعوا المحافظة عليها رغم قسوة وظلم القضبان.. من جهة أخرى يكتشف هذا القادم الجديد صبرا وحكمة واملا وتحديا وعنفوانا على شاكلة إنسان لا يزال باستطاعته الابتسام والضحك رغم قسوة الزمن.. والاهم من هذا أن الأسير الجديد يكتب الكثير من التجارب التي كان ليحفل بمثيلاتها بالعالم الخارجي على أن يقوم في نفس الوقت باطلاع الأسير القديم على تفاصيل وتطورات ذلك العالم القديم المتقدم الذي كان يعيش فيه ما قبل اعتقاله .. لكي يسد "القديم المتجدد أمله "جزءًا من فجوة تتسع باتساع سجون لا تزال قادرة على التهام المزيد من بني الإنسان.

نحن ضد لعبة المحاور

في السابق، أي قبل الحرب العالمية الثانية، كان يقال إن التوتر والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط مردها الوجود الاستعماري على نحو ستين في المائة من خريطة المنطقة. وبعد الحرب العالمية، وإنهاء معظم الاستعمار، حدث العكس، ارتفعت حدة النزاعات، ووضع اللوم، في معظمه، على تنازع المعسكرين الغربي والسوفياتي، في إطار الحرب الباردة. وعندما انهار الاتحاد السوفياتي، في مطلع التسعينات، ولم يبق في العالم سوى قوة عظمى وحيدة، ظهرت حروب جديدة في أفغانستان والصومال والعراق وطفت على السطح أزمات في مصر والجزائر واليمن الجنوبي وإريتريا. قيل حينها إن السبب هو في الفراغ السياسي.
ثم انتهت مرحلة القطب الواحد وانتهى الفراغ، بعودة موسكو إلى الساحة. انتشرت الحروب، وصارت أكبر وأكثر خطورة من أي وقت مضى، حيث لم تعد هناك حدود ولا خطوط حمراء تحترم. قتلى وجرحى ومشردون، ودمار الحروب الأهلية تجاوز كل حروب الخمسين عاما الماضية مجتمعة، ولا تزال المآسي مستمرة.
إذن نستطيع أن نستنتج أن كوارث المنطقة وأزماتها ليست نتيجة لنموذج واحد من النزاعات الدولية، بل إن المنطقة نفسها فيها قابلية عالية للحروب والأزمات.
توقفت حروب أوروبا الشرقية نتيجة معادلة اتفاق المعسكرين في زمن الحرب الباردة، وعندما سقط المعسكر السوفياتي تمت السيطرة على الوضع وترتيبه، بتفكك تشيكوسلوفاكيا وانهيار يوغسلافيا، من خلال التعاون الأوروبي. وسبق ذلك ترتيبات جنوب شرقي آسيا بعد هزيمة الأميركيين في فيتنام، عندما تمت إعادة ترتيب أوضاع المنطقة كلها، بما فيها إندونيسيا وماليزيا، ودعم كوريا الجنوبية. حتى فيتنام الموحدة عادت للتعاون مع الغرب.
ما الذي تحتاج إليه منطقة الشرق الأوسط حتى تستقر؟ فالمنطقة لا تزال تمثل خطرا على نفسها، وعلى العالم!
القناعة منذ الثمانينات أن إيران هي خزان التوتر الإقليمي، ومبعث الفوضى، وبدرجة ثانية كان نظام صدام حسين في العراق. الثاني تم إسقاطه، وأخرج العراق من معادلة الشر الإقليمية، كما أخرج قذافي ليبيا، وبقيت إيران المصدر الأول للفوضى.
لقد سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة على طمأنة النظام الإيراني بأنه رغم خلافها معه تهدف إلى احتواء نشاطاتها العدوانية ووقف نشرها للتطرف والإرهاب، أي تهذيب سلوكها وليس تغيير النظام السياسي في طهران، بخلاف العراق، وليبيا.
ماذا لو نجح العالم وأجبر النظام الإيراني على تغيير سلوكه وإنهاء عدوانيته؟ أو تم تغييره نهائيا؟ لا شك أبداً أن حظ المنطقة كبير في سلام شامل أكثر، وسينقطع مصدر الفوضى والإرهاب الرئيسي الذي يمول التنظيمات طوال هذه العقود. وربما ستعيش منطقة الشرق الأوسط أول فرصة لها في تاريخها الحديث من دون قلاقل. فمعظم الفوضى التي نراها اليوم مرتبطة بشكل مباشر، أو غير مباشر، بإيران، مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وميليشيات العراق المتطرفة، والحوثيين في اليمن، وغيرها في أفغانستان وباكستان والبحرين.
هل يمكن للقوى الإقليمية والدولية أن تتفق على مواجهة الحقيقة، وهي أن إيران مصدر الفشل والفوضى والحروب في المنطقة، وأنه من العبث ملاحقة وكلائها الصغار، والأفضل مواجهة آلة الشر مباشرة.
أحد أسباب نجاح نظام طهران هو اللعب على التناقضات الإقليمية، مدعياً الدفاع عن قضايا المنطقة، مرة إسلامية ومرة إنسانية، وكلها استهلكها، وأصبحت أكثر دولة مكروهة شعبيا.
لكن لا تزال طهران تلعب بورقة الصراع الدولي في المنطقة، بالتحالف مع روسيا، وكذلك بابتزاز الصين. ولحسن الحظ أن لدى دول المنطقة وعيا بالمشكلة، فهي لا تريد إحياء المعسكرات الدولية، وتحاول إقناع موسكو بعدم الانجرار وراء نظام طهران والدخول في لعبة المحاور، محور واشنطن مع دول الخليج ضد محور موسكو مع إيران. ولو نجحت دول المنطقة في محاولاتها، وعطلت المحاور التي تحت الإنشاء حالياً فإنها ستتغلب على إيران أخيراً، وتكون قد أوصلتها إلى نهاية الطريق. من دون تحالفات ستنتهي لعبة طهران العبثية التي أضرت بالشعب الإيراني وآذت شعوب المنطقة.

المخيم في ليل غريب

في المخيم، شتاء، قبل الكهرباء بآلاف الجنود، داخل الثانية بعد منتصف الليل، كنت أراكِ وأنت ترينني أقف مرتجفاً من البرد، على سطح الغرفة مطلاً على الساحة، حيث مكبرات صوت مشوه اللهجة يعلن قانون خروج الذين تجاوزوا السادسة عشرة الى الساحة، كتل بشرية متراصة تتكوم بصمت، كانت أضواء السيارات العسكرية، تحيط بالكتل وتلهبها بأضوائها الساطعة، الكتل الضخمة كان اسمها: أبي وأبيك، خالي وخالك، جاري وجارك، عمي وعمك، جدي وجدك. - أين أبي، أين أبي؟ أنا لا أراه. كانت عتمة السطح، تسألك نيابة عن فمي الميت بردا. -هناك على بعد عشرين جنديا، كانت عتمتك تجيب وكنت لا أصدقك. -لا لا هذا ليس أبي، هذا جدك. وكنتِ لا تصدقين. مع صرخات الأضواء والجنود، كانت الكتل تزداد تراصا، فسقط فجأة عن السطح سؤال: أين أبي؟ وصعدت الينا جملة مريحة تشبه النوم، تقاذفتها عتمتانا، عبر سطحينا ككرة جوارب محكمة.  هذه الكتلة البشرية كلها أبي.

الاشتراك في هذه خدمة RSS