Log in
updated 6:53 AM IST, Jan 16, 2019

الشاعر والروائي والباحث زكريا محمد : للقصيدة وعيها الخاص الذي يطور وعي كاتبها، وأنا أبدأ من النهايات لا البدايات

  • نشر في فلسطين

حوار: عائشه صبيح

تصاب بحالة اندهاش وأنت تتنقل بين الصفحات المكتوبة للشاعر والروائي محمد زكريا، فمن يقرأ شعره  يجده ملتصقا بالواقع بمختلف أطيافه، والطبيعة وجماليتها بألقها وعبق رائحتها المسكونة بأسطورتها وأديانها وتضحيات إنسانها الباحث دوما عن حريته وكرامته. خاض زكريا تجارب الإبداع في مجالات عدة الشعر والرواية والبحث في الأسطورة والرموز الدينية، فكان مبدعا ومنتجاً للأدب والمعرفة ليقترب من شمولية الفيلسوف وتأملاته في محاولة فهم الواقع وجدليته.

زكريا لا يتبع الموضة في كتابة رواياته فهي بالنسبة له سره الخاص الذي يجعله محلقا في فضاءات المعرفة، وهو دائم التحفيز للتحضير لأعماله الروائية والشعرية، ولديه حاليا مشروع رواية ما زالت في الانتظار؛ لكن الشاعر والروائي زكريا ما زالت لديه المشاريع الثقافية الكثيرة التي تنتظر الانجاز.

ولد زكريا محمد في ضواحي نابلس عام 1951 ودرس الأدب العربي في جامعة بغداد وبعد أن أتم دراسته عمل صحفيا حرا في بيروت وعمان ودمشق وكان رئيس تحرير العديد من المجلات الثقافية والسياسة والأدبية كما كان سكرتير تحرير مجلة «الكرمل»، التي أسسها الراحل محمود درويش. يقيم حاليا في رام الله وعمل صحافيا ومحررا ومدربا على الكتابة الإبداعية. كتب الرواية والمسرح وقصص الأطفال والشعر والميثولوجيا مثلما أبدع في الرسم والنحت، وفي هذا الحوار نتعرف أكثر على زكريا محمد:

* الشاعر زكريا محمد متى بدأت كتابة الشعر؟

- بدأت كتابة الشعر بعد منتصف السبعينات ولم أكن انشر قصائدي، أول قصيدة نشرتها في إحدى المجلات العراقية، لقد تأخرت في ألكتابه إذ كنت في بداية العشرينات ولم أكن أجرؤ على ألكتابه بسبب هيبتي من الشعر، لقد ولدت في قرية الزاوية بالقرب من نابلس وكانت القرى معزولة انذاك وعندما انفتحت على العالم انفتحت شهيتي على الثقافة والأدب وبدأت بالكتابة.

* أين يقف زكريا محمد الآن ما بين الشعر والرواية والدراسات الثقافية والأسطورية؟

- أقف على جزيرة صغيرة جدا، والماء يبلل قدمي من كل اتجاه، الشعر هو الأساس، وهو يسمح لي أن أذهب هنا وهناك من أجل مصلحته، هو يدفعني نحو الأديان القديمة والأساطير وغيرها كي يملأ جعبته. مصلحة الشعر هي التي تقودني كل ما أفعله لخدمته، أنا اعمل سخرة عنده.

* يشعر البعض منا أن لك علاقة مضطربة مع قصائد شعرك، فيلاحظ أن هناك صمت داخل القصيدة، ما سر صمتك وما تفسير ذلك؟

- علاقتي ليست مضطربة مع قصائدي، على العكس علاقتي معها جيدة، اكتسب الوعي أحيانا من قصيدتي وعيها يسبق وعيي في لحظات ما، لكنني أدرك هذا متأخرا أحيانا؛ للقصيدة وعيها الخاص الذي يطور وعي كاتبها لها ممرات سرية لا يعرفها الكاتب ذاته، هو يكتشف هذه الممرات بعد أن تطوّف فيه قصائده.

أما الصمت فجزء جوهري من القصيدة، الشعر بلا صمت غير ممكن، الكلام بلا صمت غير ممكن، هل تتصور أحدا يتكلم بلا لحظات صمت؟ هذا لن يكون كلاما الصمت أصل والكلام طروء. والشعر لعب على الكلام والصمت، على النور والعتمة معا. أكثر من ذلك، الصمت إصلاح للكلام ملء لثقوبه.

* يقال عنك أنك وظفت الشعر لصالح الاعمال الروائية وخاصة الروايتين "عصا الراعي " و"العين المعتمه" ما رايك بهذا الكلام؟

- أنا لست روائيا جربت كتابة الرواية، لكن قبل أن تصبح كتابة الرواية موضة، وقد جربتها من أجل الشعر ولمصلحته، كنت أريد للشعر أن يمدد رجليه على طولهما للحظة واحدة على الأقل.هذا كل شيء. لدي مشروع رواية أو روايتين لكنني أؤجل المضي فيهما حتى لا أتبع الموضة، لدي دوما موضتي، أنا أخترع موضتي، ولا أدع أحدا يخترعها لي. أحاول دوما أن أسير في طرق غير ممهدة في كتابتي، أيا كان نوع هذه الكتابة.

 لدي مشروع رواية له علاقة ببحوثي في أديان العصور الحجرية، منذ عقد ونصف وأنا أعيش جزئيا في العصور الحجرية، وأفكر بأن أعرض ما توصلت إليه في شكل روائي لا أعرف إن كنت سأنجح في ذلك. على كل حال، الأشكال خيارات، وليست موضة.

* في رواية "عصا الراعي" وكأنك تبرز ملامحك الشخصية، كسرد لمحطات حياتية معينه في مشوارك الأدبي، ما تعليقك؟

 - لا، الرواية لا تعرض مشواري الأدبي، هي جزئيا عرض لشيء من سيرتي، لكن فيها جزءا رئيسيا لا علاقة له بهذه السيرة. جزء خيالي تماما. وبشكل ما فهي على علاقة بلمحمة جلجامش، البطلان الرئيسيان هما تنويع ما على أنكيدو وجلاجامش، أعني أن هناك جانبا فلسفيا في الرواية.

* تقول سلمى خضرا الجيوسي في تقديمها لتجربتك الشعرية أن زكريا محمد يكتب الشعر كما يتحدث فهل هنا نتحدث عن التداخل بين الشعر والحياة؟

- لسلمى الجيوسي  فضل كبير علي وعلى جيلي؛ لكنني لا أكتب الشعر كما أتحدث، لو حصل ذلك لكنت ثرثارا لا شاعرا. أحيانا ألجأ إلى الحوار مع شخص أو أشخاص كطريقة، كتكنيك فقط. الشعراء القدماء كانوا مثلا يخترعون واحدا ويحدثونه في الشعر (أقول لصاحبي...) أو (فيا صاحبي رحلي...) (خليليّ...). وما أفعله مشابه لهذا تقريبا.

* مجموعتك الشعرية الاولى اسميتها القصائد الأخيرة ، فلم هذه التسمية؟

- كان في العنوان مناكفة مع فكرة (القصائد الأولى) يعني: "أنا بدي أبدا من الآخر هيك تقريبا"، أنا أبدأ من النهايات لا البدايات هكذا كانت الفكرة. أضف إلى هذا أن فكرة مغادرة الشعر سيطرت علي زمنا، لم أكن قادرا على إقناع نفسي وقتها بجدوى الشعر، الجدوى هي السؤال الأساسي عندي. وفكرة القصائد الأخيرة كانت فكرة طلاق الشعر.

* يعرف في أوساط المثقفين زكريا محمد بالمشاكس وصاحب الرأي الأخر، هل انت كذلك؟

- لست أدري إن كنت مشاكسا حقا، تكون بي شهوة للذهاب إلى الضفة الأخرى، إلى الوجه المعتم للقمر، وإلى ظهر المرآة. في أحيان معينة ربما رأى بعضهم في هذا مشاكسة، أما أنا فلا أقصد أن أشاكس، لا أستطيع حتى أن أشاكس، لكن البحث عن الحقيقة، عن أصول الأشياء، يبدو أحيانا مشاكساً.

* كيف ترى علاقة المثقف الفلسطيني بالسلطة رغم الخصوصية والتداخل الذي يربط المثقف والسلطة بالمشروع الوطني ومن المعروف أن المد والجزر هو ما يتحكم بعلاقة المثقف غالبا بالسلطه الموجوده؟

- تقصدين السلطة الفلسطينية أم السلطة عامة؟ إن كنت تقصدين السلطة الفلسطينية فليس لي علاقة بها. وفي كل حال، فإن الفلسطينيين يتساءلون عن ضرورة وجود سلطة تحت الاحتلال، وهل نفعت في مواجهته أم أنها كبلته، السلطة عندنا أمر طارئ ليست كيانا. منظمة التحرير الفلسطينية كانت كيانا ما، وكنا مرتبطين بها بعمق،  لكن السلطة ليست كذلك.

* هل يمكن لي أن أتعرف عن مشاريعك المستقبلية؟

- لدي مشاريع كثيرة جدا، ربما أكثر مما يتحمل ما بقي لي من أيام في هذه الدنيا. وأنا في سباق مع الزمن علني أنجزها، أو أنجز جزءا جوهريا منها. حسناً، أنا لا أعرف كيف يعيش الإنسان من دون مشاريع فالحياة سلسلة من المشاريع التي لا تتوقف.